فخر الدين الرازي

254

تفسير الرازي

ولولا ذلك لما صح عطف قوله : * ( أو ما ملكت أيمانهن ) * لأن الشيء لا يعطف على نفسه ، وقال تعالى : * ( وأمهات نسائكم ) * ( النساء : 23 ) فكان ذلك على الزوجات دون ملك اليمين . المسألة الرابعة : فيما يتعلق بهذه الآية من القراءات ، قال أبو علي : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر : * ( والذين يظهرون ) * بغير الألف ، وقرأ عاصم : * ( يظاهرون ) * بضم الياء وتخفيف الظاء والألف ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي يظاهرون بفتح الياء وبالألف مشددة الظاء ، قال أبو علي : ظاهر من امرأته ، ظهر مثل ضاعف وضعف ، وتدخل التاء على كل واحد منهما فيصير تظاهر وتظهر ، ويدخل حرف المضارعة فيصير يتظاهر ويتظهر ، ثم تدغم التاء في الظاء لمقاربتها لها ، فيصير يظاهر ويظهر ، وتفتح الياء التي هي حرف المضارعة ، لأنها للمطاوعة كما يفتحها في يتدحرج الذي هو مطاوع ، دحرجته فتدحرج ، وإنما فتح الياء في يظاهر ويظهر ، لأنه المطاوع كما أن يتدحرج كذلك ، ولأنه على وزنهما ، وإن لم يكونا للإلحاق ، وأما قراءة عاصم يظاهرون فهو مشتق من ظاهر يظاهر إذا أتى بمثل هذا التصرف . المسألة الخامسة : لفظة : * ( منكم ) * في قوله : * ( الذين يظاهرون منكم ) * توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم في الظهار لأنه كان من أيمان أهل الجاهلية خاصة دون سائر الأمم ، وقوله تعالى : * ( ما هن أمهاتهم ) * فيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية المفضل : * ( أمهاتهم ) * بالرفع والباقون بالنصب على لفظ الخفض ، وجه الرفع أنه لغة تميم ، قال سيبويه : وهو أقيس الوجهين ، وذلك أن النفي كالاستفهام فكما لا يغير الاستفهام الكلام عما كان عليه ، فكذا ينبغي أن لا يغير النفي الكلام عما كان عليه ، ووجه النصب أنه لغة أهل الحجاز والأخذ في التنزيل بلغتهم أولى ، وعليها جاء قوله : * ( ما هذا بشراً ) * ( يوسف : 31 ) ووجهه من القياس أن ما تشبه ليس في أمرين أحدهما : أن : ( ما ) تدخل على المبتدأ والخبر ، كما أن ( ليس ) تدخل عليهما والثاني : أن ( ما ) تنفي ما في الحال ، كما أن ( ليس ) تنفي ما في الحال ، وإذا حصلت المشابهة من وجهين وجب حصول المساواة في سائر الأحكام ، إلا ما خص بالدليل قياساً على باب مالا ينصرف . المسألة الثانية : في الآية إشكال : وهو أن من قال لامرأته : أنت علي كظهر أمي ، فهو شبه الزوجة بالأم ، ولم يقل : إنها أم ، فكيف يليق أن يقال على سبيل الإبطال لقوله : * ( ما هن أمهاتهم ) * وكيف يليق أن يقال : * ( وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً ) * والجواب : أما الكذب إنما لزم لأن قوله : أنت علي كظهر أمي ، إما أن يجعله إخباراً أو إنشاء وعلى التقدير الأول أنه كذب ، لأن الزوجة محللة والأم محرمة ، وتشبيه المحللة بالمحرمة في وصف الحل والحرمة كذب ، وإن جعلناه إنشاء كان ذلك أيضاً كذباً ، لأن كونه إنشاء معناه أن الشرع جعله سبباً في حصول الحرمة ، فلما لم يرد الشرع بهذا التشبيه ، كان جعله إنشاء في وقوع هذا الحكم يكون كذباً وزوراً ، وقال